السيرة       الأفلام       الأخبار       الصحافة       روابط


 

"ظل البحر" .. صورة بانورامية لحياة الأحياء القديمة

 

 


هل يمكن القول إن فيلم "ظل البحر" - العمل الروائي الطويل الثاني لنواف الجناحي - ومعه الفيلم القصير المبهر والآسر "سبيل" لخالد المحمود، هما بمثابة خلاصة وتتويج لمسيرة فنية طويلة ومنهكة وشيقة أيضا، وأنهما أفضل هديتان سينمائيتان يمكن تقديمهما لاحتفالية السينمائيين المحليين بمرور عشر سنوات على ولادة حركة فيلمية حقيقية تمسهم وتخصهم وتتحدث عن رؤاهم الإبداعية المتطورة والمتجددة؟

 

وهل يمكن تصنيف "ظل البحر" الذي عرض مساء أمس الأول بمسرح أبوظبي، ضمن أفضل ما قدم من أفلام إماراتية طويلة حتى الآن قياسا بالأفلام التي سبقته، وقياسا أيضا بالصنيع الفني والمعرفي الذي راكمته وخلقته هذه السنوات العشر؟ الإجابة بلا شك سوف تنحاز لمستوى النضج الإخراجي والتطور التقني والحفاظ على الإيقاع الزمني والتوازن السردي الذي يخلق في النهاية عصب ونسيج وهوية أي فيلم ناجح.

 

وهي متطلبات يبدو أن فيلم "ظل البحر" قد حققها بمستوياتها المرضية وحدودها المتماسكة، مقارنة بأفلام من ذات الفئة أخفقت في تحقيق هذه المتطلبات، وأفلام أخرى متميزة مثل فيلم "الدائرة" الروائي الطويل لنواف الجناحي أيضا، وفيلم "دار الحي" لعلي مصطفى وهما فيلمان نالا إشادات يستحقانها، لأنهما - ورغم بعض الهنّات الفنية - حققا الشروط القياسية العامة لشكل وقوام وقيمة الفيلم الروائي الطويل.

 

لذة الاكتشاف

 

و"ظل البحر" الذي ألّفه كاتب السيناريو المتميز محمد حسن أحمد وأنتجته شركة إيمج نيشن أبوظبي، تم اختياره من قبل إدارة مهرجان أبوظبي السينمائي في دورته الحالية للتنافس على جوائز (مسابقة آفاق جديدة) والتي تحتضن الأعمال الروائية الطويلة لمخرجين محليين وعرب وأجانب في تجاربهم الإخراجية الأولى أو الثانية، هذا الاختيار بدوره منح ثقة مطلوبة، وفي توقيت مناسب، للمواهب السينمائية المحلية الشابة على مستوى الإخراج والتأليف والتمثيل، مع وعود بخلق قاعدة أخرى من التقنيين الإماراتيين في مجال التصوير والمونتاج والمكساج وإدارة المواقع وغيرها من الحقول التقنية التي تكتسب أهميتها من شغلها التخصصي خلف الكاميرا أو خلف الكادر.

 

تنشغل حكاية فيلم "ظل البحر" وتتأسس فضاءاته السردية من خلال التشكلاّت العفوية الطازجة واليانعة لأحاسيس الحب والانجذاب المرتبطة بفترة المراهقة، وما يحيط بهذه الفترة بالذات، من انتباهات عاطفية متأججة، وقائمة على لذة الاكتشاف، والدخول في مغامرة حياتية مختلفة.

 

ففي حي شعبي مطل على شواطيء رأس الخيمة ومحتفظ بطرازه المعماري اللصيق بفترة السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، نرى الشاب منصور ـ الوجه الجديد عمر الملا - وهو يتلمس بدايات النشوة الداخلية ومشاعر العشق المستيقظة فيه والمتجهة نحو قريبته الفتاة الجميلة كلثم (نيفين ماضي) ـ والتي تشاركه هذه الأحاسيس رغم وجود حاجز داخلي من الخوف والخجل والحذر، وهو حاجز متخيل سوف يمنعهما من التعبير الشفوي والمباشر عن هذا الود الخاص والألفة الحميمية التي تجمعهما.

 

ويأخذنا الفيلم تدريجيا وبإيقاع متمهل وصبور نحو التفاصيل العائلية و الظروف الحياتية المؤثرة والمحيطة بالعاشقين، فمنصور يعيش في منزل متواضع مع أسرته الفقيرة المكونة من أب مقعد (بلال عبدالله) وأم كادحة وحادة الطباع (عائشة عبدالرحمن) التي تصنع المثلجات الشعبية والتقليدية ويحملها منصور على دراجته الهوائية ويبيعها على أهل الحي كي يؤمن دخلا بسيطا يعين العائلة على تكاليف العيش.

 

أما كلثم فتعيش وضعا نفسيا أكثر صعوبة وقسوة بعد وفاة والدتها واضطرارها للاعتناء بشقيقتها الصغيرة مريم (خديجة الطائي) مع إهمال كلي وسلبية واضحة من الأب (حسن رجب) وانشغال الأخ الأكبر جاسم (أحمد إيراج) بوظيفته في العاصمة أبوظبي البعيدة، والذي يزور العائلة بين فترة وأخرى.

 

تفسيرات خاطئة

 

وبعد هذا التأسيس أو التمهيد الدرامي لبنية القصة، يقودنا السرد الواقعي والسلس للفيلم نحو مسارات وخطوط لا تتوسل التصعيد الدرامي المقحم، ولا تهيء لتوتر مفاجئ وصادم في المناخ الهادئ للحكاية، بل على العكس من ذلك يأخذنا الإيقاع الخافت للفيلم لاكتشاف حيرة العاشقين وأزمتهما الذاتية من وجهة نظر محايدة ومراقبة من بعيد لتطورات الشخوص وردات الفعل التي تفرضها حوادث خبرات سابقة، بالإضافة لانعطافات جديدة ولاحقة سوف تضعنا في موقف التعاطف مع هذه الشخوص، رغم التفسيرات الخاطئة والجائرة التي يمكن أن تصدّرها البيئة الاجتماعية المحافظة والمحيطة بهذين العاشقين.

 

فكلثم مثلا تعاني من خوف شديد وفوبيا متحكمة عندما تصادف أي رجل غريب، ونكتشف من خلال تلميحات وإشارات ضمنية يقدمها الفيلم أن كلثم مرت في السابق بتجربة اعتداء وانتهاك جسدي من قبل الحلاق الآسيوي (يقوم بدوره علي الجابري) الذي يكفله والدها، حيث اقتادها إلى منزل مهجور وعاشت هناك لحظات مرعبة، لم تعد قادرة على التخلص من أعبائها.

 

ومن جهة أخرى نجد منصور الذي يسعى لتوفير مبلغ جيد - رغم حالة العوز والجفاف المادي الذي تعاني منه عائلته - كي يشتري هدية مناسبة لكلثم، وعندما يبتاع الهدية وهي عبارة عن قلادة تحمل الحرف الأول من اسم حبيبته، نراه فجأة وقد غيّر مساره العاطفي باتجاه جارته عويش الفتاة الشابة والناضجة والأكبر منه سنا (تقوم بدورها مريم حسين) والتي تهتم به وتلاطفه وتعطف عليه، بينما يفسر منصور الأمر بمنظور مختلف، تزيد من وقعه المشاعر الحارقة في داخله والساعية لاكتشاف الأنثى أو الجانب المقابل دون حواجز خارجية ونفسية، كما هو حال علاقته المستترة مع كلثم.

 

عندما يأتي جاسم - الأخ الأكبر لكلثم - كي يزور العائلة ويطمئن على أخواته، نكتشف وجود شرخ نفسي كبير يفصل بين جاسم ووالده، وهو شرخ تحول إلى جفاء وصد وانقطاع عاطفي بين الاثنين خصوصا بعد رحيل الأم، ودخول الأب في حالة من الشرود والحزن والاكتئاب المزمن، ما أدى إلى إهماله لابنتيه، رغم حاجتهما الماسة للتعويض العاطفي، وهي حاجة تتوضح بقوة وتصل لذروتها عندما يأتي الحلاق الآسيوي إلى المنزل ليدفع مبلغ الكفالة للأب، فتفاجأ به كلثم وتهرب وتنزوي في غرفتها باكية، وبعد أن تفصح لشقيقها الأكبر عن سر بكائها يذهب الأخير إلى الحلاق في دكانه كي يشبعه ضربا، بينما تتجه كلثم إلى ذات البناية المهجورة التي خبرت فيها التجربة المريعة كي ترمى بنفسها من فوق سطحها، ولكن وصول أختها الصغيرة في آخر لحظة جعلها تحيد عن رأيها وتعود إلى المنزل.

 

مدارات حزينة

 

هذه الحادثة سوف تدفع بجاسم إلى أخذ شقيقتيه معه إلى أبوظبي، وتخليصهما من العيش في هذا الحي القديم الذي امتلأ بعمال آسيويين باتوا أشبه بذئاب خطرة وطليقة في المكان، يرفض الأب الذهاب معهم لأن حياته وذاكرته باتت لصيقة ومغروسة في هذا البيت رغم كل الظلال الداكنة والمدارات الحزينة التي خلفها موت زوجته.

 

وفي الطرف المقابل نرى منصور وهو يعيش انكساراته العاطفية وخساراته الذاتية المضاعفة بعد زواج عويش المفاجئ وبعد رحيل كلثم مع شقيقها، فيذهب برفقة صديقه (يقوم بدوره أبرار الحمد) إلى البحر كي يغتسل من آثامه الصغيرة، وكي يتحول البحر في النهاية إلى مطهر وخلاص من كل مشاعر الهجر والفقدان والاستلاب التي لطخت الجسد والأرض معا.

 

قدم فيلم "ظل البحر" صورة بانورامية وآسرة لشكل الأحياء القديمة التي هجرها معظم سكانها المحليين كي يحتلها ويستوطنها عمال آسيويون غرباء شوهوا مناظرها التقليدية وتفاصيلها الشعبية المقيمة في الذاكرة، والقادمة من الاستعادات المرهفة للطفولة.

 

ورغم غياب الحبكة أو الصراع الظاهري في أحداث الفيلم، إلا أن الصراع الحقيقي في الفيلم كان منشأه هذه التبدلات السريعة في منظومة الحياة الجديدة، والتي باتت تجرف معها معالم "الفرجان" و"السكيك" والبيوت القديمة، والتي كان البحر يمنحها فيضا سحريا خاصا وأليفا، وكان يشكل لسكان القرى المقابلة له جغرافية ممتدة ومتداخلة من فراديس المحبة والألفة والاجتماع، سواء كان هذا الاجتماع ملتما على مناسبات حزن أو فرح، لأنه النهاية كان يعبر عن وجود نسيج واحد ومتضامن وموصول بانشغالات حياتية ويومية مشتركة وعميقة ومتمازجة.

 

امتاز فيلم "ظل البحر" بالاشتغال الكبير على الشخصيات وتأسيسها من أجل ملء المساحة الدرامية المخصصة لها، ونقل المشاعر الداخلية الدفينة من خلال تعابير وردات فعل موفقة ومتوائمة مع طبيعة وحاجة الدور. وتميز كل الممثلين وبلا استثناء في تصدير هذه الانفعالات بنجاح وتمكن، رغم أن كثيرا منهم يقف للمرة الأولى أمام الكاميرا، ولكن ما عاب هذه الشخوص هو الملابس الأنيقة والمكياج الصارخ في بيئة من المفترض أن تكون فقيرة وخشنة ولا تتضمن كل هذا الترف والتأنق.

 

:: بقلم / إبراهيم الملا

ناقد سينمائي (الإمارات)

جريدة الإتحاد / 21 أكتوبر 2011

 


الصفحة الرئيسية   |   للتواصل   |   الرسالة الإخبارية